Thursday, December 5, 2019

هل تصيبك الأحاديث الجانبية في مكان العمل باضطرابات عصبية؟

في عام 2016، استقر عدد من العلماء في معهد فرانسيس كريك للأبحاث الطبية الحيوية في لندن، والذي بلغت تكلفة بنائه 650 مليون جنيه إسترليني، لكن لم تكد تمر سنة واحدة على تدشينه حتى اكتُشف فيه عيب خطير.
إذ اشتكى الموظفون في مساحة العمل المفتوحة التي من المفترض أن تساعد على التعاون، من أصوات ضحكات زملائهم الرنانة التي اختلطت مع أصوات مئات العلماء الذي ينخرطون في نقاشات عن مشروعاتهم البحثية. وقالوا إنهم لا يستطيعون التركيز أو حتى التفكير في الاكتشافات العلمية.
ورغم أهدافهم الطموحة، إلا أن مصممي المبنى غفلوا عن بعض الحقائق العلمية، إذ تثير الهمهمة والأحاديث الجانبية غضب البعض بقدر ما يثيره وجود زميل يضغط على زر القلم دون توقف بجوار أذنيك.
إذ أصبحت بيئات العمل المعاصرة، بفضل المكاتب المفتوحة وغيرها من الابتكارات الحديثة، كابوسا مزعجا، تتضافر فيها نغمات الهواتف الجديدة وأصوات
وعلى النقيض، يكره البعض جميع الأصوات أثناء العمل كراهية شديدة، إلى حد أن حالتهم صنفت بأنها اضطراب مرضي، يطلق عليه اضطراب "ميزوفونيا" أو كراهية الصوت، الذي لم يكتشف إلا مؤخرا. إذ لوحظ أن البعض تثير لديهم بعض الأصوات اليومية المعتادة ردة فعل مبالغ فيها، مثل القلق المفرط أو الغضب العارم أو الذعر. وقد تتراوح الأصوات التي تزعجهم من صفير الزملاء أو الأصوات التي يصدرونها أثناء رشف المشروبات وبعده، وحتى صوت البلع أو التنفس.
وفي عام 2011، أجرى باحثون من كلية لندن الجامعية وجامعة لندن، دراسة للكشف عن أسباب تفاوت القدرة على تحمل الضوضاء، وطلبوا من 118 طالبة في مدارس ثانوية الإجابة على أسئلة تكشف عن مدى انطوائهم أو انفتاحهم على الآخرين، وهذا ينعكس على مدى استمتاعهم بمخالطة الآخرين أو كراهيتهم لها.
وبعدها طلب الباحثون من الطالبات حل اختبارات معرفية بينما يستمعون للموسيقى الصاخبة أو الضوضاء المعتادة في الفصل، في حين طلبوا من مجموعة أخرى حلها في بيئة هادئة.
ولاحظ الباحثون أن جميع الطلاب تحسن أداؤهم في البيئة الهادئة. ولاحظوا أيضا أنه كلما زاد انطوائهم، زاد تأثرهم بالضوضاء.
يقال إن الانبساطية، التي تعد أحد العوامل الخمس الكبرى للشخصية، تدفع الشخص لخوض تجارب جديدة بحثا عن الإثارة، مثل البيئات المزعجة. وعلى النقيض، يكره الانطوائيون التجارب الجديدة ولا يتحملون الإثارة النفسية.
ولهذا تؤثر الضوضاء على الانطوائيين أكثر مما تؤثر على غيرهم. لأنهم لا يطيقون المثيرات الخارجية أثناء العمل، كالموسيقى ودردشة الزملاء. وانتهت دراسة أجراها طلبة في كلية الطب، إلى أن الانطوائيين وجدوا صعوبة أكبر في التركيز وشعروا بالإنهاك عندما كانوا يحلون مسائل رياضية بينما بلغت شدة صوت السيارات في الخارج 88 ديسيبل.
وتؤثر مدى عصابية الشخص ورباطة جأشه أيضا على قدرته على التركيز، إذ أشارت أبحاث إلى أن الأشخاص الذين يعرفون بسرعة الغضب، يكونون أكثر تأثرا بالأصوات أثناء حل المسائل الرياضية.
الطابعات وآلات النسخ لإرهاق آذان الموظفين، ناهيك عن "المقرمشات" التي صممت بدقة لتصل شدة صوتها إلى 70 ديسيبل.
وقد تحدث البعض على موقع التواصل الاجتماعي "ريديت" عن أصوات أخرى تثير جنونهم في بيئات العمل، إذ ذكر أحدهم رجّ قطع الثلج في الكوب البلاستيكي، وذكر آخر أنه يستطيع تحديد أنواع الأطعمة التي يتناولها زملاؤه من صوت القرمشة.وفي استطلاع للرأي أجري عام 2015 عن الأصوات الأكثر إزعاجا في المكاتب، تصدرت الأحاديث الجانبية قائمة الأصوات الأكثر إثارة للضجر، ويليها السعال والعطس والاستنشاق بصوت مرتفع، والتحدث في الهواتف بأصوات مرتفعة وجرس الهاتف والصفير.
وتتفاوت القدرة على تحمل الضجيج من شخص لآخر تفاوتا شاسعا. فقد يستمتع بعض الموظفين بالعمل في بيئات العمل الصاخبة، وقد حقق مقطع فيديو لمدة ساعتين يحاكي نفس الأصوات التي تسمعها في المكاتب ما يناهز مليوني مشاهدة.
ويفضل كثيرون الاستماع إلى الموسيقى أثناء العمل، حتى إن البعض يعتقدون أن الموسيقى تساعدهم على التركيز، بينما يقول آخرون إنها تساعد في تشتيت انتباههم عن الأصوات المزعجة في بيئة العمل. وترى بعض الشركات أن الموسيقى تسهم في تحسين إنتاجية الموظفين، ولذا تتعمد تشغيل الموسيقى باستمرار في جميع المكاتب، بغض النظر عن ميول الموظفين ورغباتهم.

No comments:

Post a Comment